محمد أحمد العبدالله

محمد أحمد العبدالله

ثقافي - فكري
 
البوابةالرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قربان عيد الكبور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد
Admin
avatar

عدد المساهمات : 97
تاريخ التسجيل : 29/07/2010
العمر : 37

مُساهمةموضوع: قربان عيد الكبور    الخميس يوليو 29, 2010 3:21 am

محمد أحمد العبد الله



(عيد الكبور هو عيد السبت العظيم عند اليهود وفي هذا العيد يذبحون أحد الأشخاص مسلماً أو مسيحياً ويقدمونه فطير صهيون حيث يعجنون دمه مع الطحين ويصنعون منه خبزاً).

الشمس تودع الأرض ملوحة من فرجة زرقاء وسط غيمات داكنة تجمعت لتوها، والغيمات تراقب بثبات ترفض أن تغادر مكانها؛ وكأنها تنتظر حبيبها الغجري لتأتي حالمة تتماوج في السهول ألوان قوس قزح، منطوية على ذاتها وغاضبة ومن مجرى الأخدود العريض الذي يضيق في بعض الأحيان تشع التماعه وكأنها تسقط دمعة حزينة بائسة.

البحيرة المستكينة لهدأة الغروب تتزنر بوشاح الأسرار وكأنها امرأة ثكلى. أما وراءها فتنتصب سلسلة من التلال التي لا تقل انطواء أو غضباً عن السهول. بعد التلال – قاطعاً بنظرك البحيرة تستطيع أن ترى مشارف مدينة أشعلت مصابيحها مدينة أحبها الله وأسماها طبرية.
رائحة التراب الممزوجة بقطرات الندى تملأ المكان، همهمات وأدعية غير مفهومة تتحرك بها شفاه الزائرين الذين غزوا المكان، يدورون حول أنفسهم بحركات مضطربة ومتداخلة.

بنيامين، رجل متوسط العمر له حاجبان غزيران، أمرد، له كشرة واضحة لا تخفى، مملوء الجسد، لكن النفس تشكو بشكوى غريبة تفسرها تلك الهمهمات لتكشف عن وجدانه، يجلس على صخرة كبيرة ويبدأ الآخران يرددان كلمات غير مفهومة.

تودع الشمس قرية الكرسي المجاورة لبحيرة طبرية وهي تلقى نظرتها الأخيرة إليها ببسمة ذابلة تكاد أن تكون نظرة شفقة.
كوخ صغير بالقرب من ينبوع ماء يتدفق كأنه بني للتوْ من حجارة سوداء رصفت بشكل متشابك ومتضافر سقفه من قصب أصفر يعكس بريق الذهب.

في ظلمة الليل يقول بنيامين: أخشى أن نكون قد اخترنا المكان الخطأ.
أجاب يعقوب (يكوب): أنا متأكد من أن تلك الصخرة هي التي جلس عليه المسيح والورقة التي تخفيها في (عبك) ترسم المكان بتفاصيله. وهذا ينبوع الماء الذي ينساب أخرجه سليمان، جدك.

القرية ترقد في أحضان التل كما الوليد في حضن أمه وفي بطن التل تقع بقايا قبور بعضها بشواهد وأخرى بدونها والتي بدونها توضعت لها حجارة سوداء بحواف حادة، حجر في المقدمة وحجر في المؤخرة وبعضها الآخر وضعت فوقها حجارة في المنتصف لتميز المدفون الذكر من الأنثى.

تستقر جثة الغلام سليمان على الأرض المغطاة بالقش، القش قد جرد لتوه من قرب النبع، يحس بقطرات الندى تداعب جسده.
يرمي بنظراته إلى السماء من خلال ( القصب الأصفر).
يرى نجمات لامعة تصنع نغماً عذباً لم يلحظه من قبل.
ومرة أخرى كان يشعر بالأشياء حوله حتى أنه ينسى النوم، ويرمي بنظراته على وجه بنيامين ويعقوب اللذين يخلدان لنوم عميق.
يحس بغربة تفصله عنهما، وكان قلبه ينبض، حاول التنفس بهدوء أكثر من مرة وفي كل مرة يكاد قلبه يهوي.
تقلب كثيراً على مفرش القش فلم يستطع حتى هذه اللحظة النوم، يدخل الشك قلب سليمان حين يدخل المغارة المظلمة في المغرب التي يمكث فيها قرابة سبع سنوات. وقيل له بأن (الله هنا) يتذكر ادعاءات يعقوب عن (الله والكهف والحكمة) وبأن من يدخل هذا الكهف وينفذ تعليمات الرب يرى الله جهرة ويعلمه الحكمة.
لقد اختطف سليمان من كنف والديه وأدخل الكهف منذ أن كان طفلاً.

ملاحظة 1- 1 (التقويم 1330هـ):
سليمان، الطفل، في السابعة من عمره، منذ عشر سنين يأتي بنيامين ويعقوب في زيارة إلى مدينة سلع (البتراء) في وادي موسى حيث كانت دولة الأنباط العربية ويشاهدان سليمان يلعب مع رفاقه (الغميضة والحجلة) يهجمان عليه ويمزقان ثوبه وينظران إلى ظهره فيجدان الشامة السوداء.
يحمل بنيامين الطفل بين يديه ويركض وهو يصرخ بأعلى صوته: هو ذا الطفل.. هو ذا الطفل.

ملاحظة 1- 2:
في الكهف تمارس على سليمان أبشع مظاهر اللا إنسانية التي تقشعر لها الأبدان ويكفي أن أقول بأن ممارسة اللواطة مع طفل صغير يثير في النفس الاشمئزاز والقبح.
ترعرع سليمان في الكهف الغريب دون تفاهم أو انسجام بينه وبين ساكنيه، وكان مرات عديدة يتأوه الشاب آهات تحمل فيها نغمات من الماضي، عندما كان يتذكر والديه كالحلم وهما يمارسان طقوس العبادة التي تختلف عن طقوس المغارة.
يبدو الكهف مخيفاً مرعباً على جدرانه ترتسم أحرف ورموز مختلفة وتتبعثر الكتب القديمة والألواح الحجرية التي نحتت عليها تعاليم الرب (كما قيل له).
تعلم سليمان السحر ومخاطبة الجن، لكن شكه لم يتوقف بأن الادعاءات التي تعلمها باطلة وهي من صنع الحاخام الأكبر (يوسف هراري العنتابي).
تحمر عيناه لأنه لم يستطع حتى هذه اللحظة النوم.

أذبلت أهدابي وأغرق بالدمع، تنهداتي تصعد إلى السماء فأحس وكأني أقف على صخرة لأرتفع، وترتفع تحت نعلي الصخرة.
والدنيا ظلام من حولي. أما البحيرة فكانت متعالية الأمواج لا أعرف كيف يخطر ببالي أن أقلد أبي في الصلاة فأرفع يدي إلى السماء فأصرخ بأعلى صوتي: (إن كنت قادراً بحق يا إله والدي فلا تتركني وحدي.. فأعدني إلى أبي وأمي).
يخيل إليّ أن صدى صوتي ملأ المكان حتى بات يأتي من كل الجهات من التلال والشجر والمدينة البعيدة والموج والرمل.
ثمّ صمت كل شيء فجأة حتى هدير الأمواج.

أرى أمي تخرج من الماء وتصعد إلى الصخرة الكبيرة، صخرة الكرسي وهي تبتسم وترفع يدها ملوحة للوداع ومن ثمّ تختفي.
وصمتٌ، وسكتت همسات الليل، وتلوح في الأفق البعيد نجمة الصباح. وبعدها بقليل تفرش الشمس أشعتها اللينة.
يستيقظ بنيامين ويعقوب على خرير الماء ينساب بانسجام ليس له مثيل. يتصنع سليمان النوم بينما يأخذ الاثنان يلغوان برطين مفخخ بكلمات عربية تستخدم للشتائم فقط.

مع انبلاج الصبح وشروق الشمس يخرج الزائرون الثلاثة من مخدعهم يقفون بالقرب من النبع الصغير الذي لا يعكر صفوه شيء. يجرى الماء في مسيل ضيق تارة ويعرض تارة أخرى.
يسير بخطى ثابتة هادئة ليصل إلى ما بعد الشعور فيغيب خلف تلة بني عليها جدار روماني قديم.
يخرج بنيامين الورقة الكالحة التي يخفيها في (عبه) وبدأ يقرأ بهمس: (كلم الرب موسى في صحراء موآب على أردن أريحا قائلاً: مر بني إسرائيل وقل لهم أنهم جائزون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون جميع أهل الأرض من وجهكم وتبدون جميع منقوشاتهم وأصنامهم المسبوكة ومشارفة تدكونها، تملكون الأرض من وجهكم كان من تبقونه منهم كإبرة في عيونكم وكحربة في جفونكم يضايقونكم في الأرض التي أنتم مقيمون بها).
ويشير بنيامين بسبابته على مستوى نظره إلى الأرض المحيطة بحركة دائرية ويقول: (هذه الأرض التي وعدنا بها الرب والتي عبرها أجددنا من قبل).

حاشية: (إن الرب الذي وعدهم بهذه الأرض هو الرب الذي صنعه الصهاينة في "بروتوكولاتهم" وكتبوا على لسانه تعاليمهم التي يتوارثونها إلى اليوم ويدعون بأنها التوراة). أما رب إبراهيم وموسى وإسحاق هو رب عيسى ومحمد ورب العالمين الذي لا يمكن أن يأمر بالقتل والإبادة (جل شأنه من خالق).

ملاحظة 2- 1:
عندما ينهي بنيامين كلامه تتزلزل الأرض تحت نعليه وتتعكر صفوة (النبعة) وينقطع المسيل عن الجريان.

ملاحظة 2- 2:
ليلاً تنبح الكلاب السوداء والكلاب الرقطاء نباحاً مستميتاً حتى تمازج النباح في قرية الكرسي والمسعدية والدبوسية والياقوصية والصفوري وفيق والعال وسهل البطيحة ودير عزيز واليعربية.. يتعالى النبح في كل سهول ومرتفعات الجولان.
يستيقظ ساكنو القرية والقرى المجاورة على النباح الذي دام حتى انبلاج الفجر، ذعراً، لأن الكلاب لا تنبح إلاّ لأمر جلل أو مصيبة قد تقع.

يرفع يعقوب رأسه محدقاً برفيقيه وقد ترتسم على وجهه ابتسامة صفراء نسجت من خيوط الغدر والخيانة.
يطلب من سليمان أن يذهب إلى الوادي القريب ويبحث عن شجرة بلوط.
يقطع سليمان جذع شجرة البلوط ويحضره.

أنقل نظراتي بين يعقوب وبنيامين متفحصاً، وأسئلة كثيرة ترددها ذاتي... وما أعظمها من مفاجأة عندما ألمح طيف والدي بين السراب البعيد يمارس طقوس عبادته... كنت كلما اقتربت من السراب خطوة يدنو مني عشر خطوات حتى استطعت أن أميز ملامح أبي "مسمرَ الوجه، مكحلَ العينين، مفتول العضلات" (رجل هاشمي) وأقترب منه أكثر حتى أقبض طرف ردائه.. أتوسلُ إليه.. خلصني يا أبي من نارٍ تأكل قلبي! فأنا مشتت الفكر، هائمٌ على وجهي وأنت أبي... صوتك ما زال يأتي من الماضي يقول بنغمة عذبة شجية:
(لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق).
تغرق عيناه بالدمع ويبدو محمرَ الخدين وكأنه يقتبس من فيض النبوة، وراح يحمل جذع شجرة البلوط.

حاشية:
الوقت ليلاً والمكان قرب باب الكوخ على ضوء القنديل وسكان قرية الكرسي يرقدون بهدوء وطمأنينة بينما نيران الجحيم تستعر.
القمر خجل، وجل، يتلثم بوشاح أسود ونجمة سليمان التي تشرق في الليل تذهب في زيارة إلى المدينة المقدسة.
واليهود يهدمون جدار المسجد الأقصى يبحثون عن الهيكل السليماني وخاتم سليمان يسقط في قلب البحيرة بحيرة طبرية وبلقيس تذهب عارية لتستحم في مياه الحمة.
الفرية مزدحمة بالخوف والترقب والحذر رغم سبات أهلها حالمين بيوم جديد.. الشر يهرول مسرعاً والوحيد المستيقظ في هدأة الليل (الخير) يشق الخوف بعصا كان يضرب بها في جميع الاتجاهات دون أن يصيب (الشر) بأذى.. بدأ يضرب بكل عنف، وشده حتى وهنت عزيمته لكنه رفض الاستسلام وتبدأ أصوات كثيرة صارخة تأتي من جميع الاتجاهات... جلجلت في وسط السكون:
"حذارِ يا قوم لقد جاء يأجوج ومأجوج"!

حاشية:
المذبح.. جذع شجرة البلوط التي يحضرها سليمان على ظهره من الوادي. يُحفر بها حفرة (على قد العنق).
يوضع عنق سليمان بعدما تفتر عزيمته ويفنيه التعب والجهد في محاولاته الفاشلة بالإفلات من تلك القيود التي كبل بها.
يوضع ذلك العنق الرقيق على مقصلة المذبح وتغمض عينيه فيتراءى طيف والديه بين أهدابه يصليان بخشوع في حالة من السكون المطلق.
السكاكين بحالة تهيأ. ترتيلات وترانيم لا يفهمها إلاّ يعقوب وبنيامين وكل أفراد المغارة ثمّ يدور الاثنان حول القربان المقدس في يوم عيد الغفران.

سليمان والأشياء التي يحبها، والسحر الذي تعلمه، والمغارة، وصلاة والديه والرسومات والكتب التي شاهدها وتلمسها تمر الآن مثل لمح البصر في مخيلته والدمعة التي غصت بين الأهداب ونجمة سليمان البعيدة تأتي مسرعة مثل الشهب لتقف فوق المذبح وحلم "الكبور" يتحقق رويداً.. رويداً، بينما الشمس والقمر يسجدان والغيمات يتكاثرن حتى يغطين السماء.
تجفل البسمة وتجف النبعة وتجشأت نفوس سكان سهول الجولان والنسوة اللواتي يطلْقن في هذه اللحظة سوف يلدن غلماناً بجمال وبهاء سليمان وسوف يلهمهنّ الله بأن يسمين أولادهن سليمان.
أما قلب الفتى فلن يبقى به سوى ثلاث نبضات ثم يتوقف بعد ذلك عن الخفقان.

وتنتهي لحظة الترتيلات الصاخبة والرقص الذي يشبه رقصات أفريقية ويهوي خنجر بنيامين على العنق ليقطعه من الوريد إلى الوريد وينزل الدم الأحمر، الساخن، في الطست النحاسي الذي وضع تحت المذبح دون أن تنزل قطرة دم واحدة على الأرض.
يمتلئ الإناء بالدم وتجف عروق الفتى وتهوي نجمة سليمان لتسقط في بحيرة طبرية تلونها بالأحمر بينما الكرسي تلك الصخرة قد تلجلجت وأصابها الحتات.
حشد من الذباب يمارس طقوسه فوق المذبح والاثنان منهمكان بتقطيع الجثة إلى قطع صغيرة باستثناء الرأس الذي يلف بكيس "خيش" يحفر له في الأرض ثم يدفن بها.
وخلال عملية الدفن يقرأ يعقوب:
"أيها الرب.. يا رب بني إسرائيل.. ها نحن أبناء إسرائيل قد وصلنا الأرض التي وعدنا بها وها نحن في ليلة سبتك العظيم.. نقدم إليك القربان.. قرب النبعة التي شرب منها سليمان بن داوود وقرب المذبح القديم".
وما إن ينهي يعقوب قراءته هذه حتى تقذف الأرض رأس سليمان رافضة أن تخفيه.
حينها يشتم بنيامين يعقوب ويعزره عن الأخطاء الجسيمة التي يقترفها طالباً منه أن يعيد قراءته مستقبلاً الأقصى حتى يقبل الرب الأعطية.
يُقطع اللحم ويقذف بالبحيرة بينما يصنع من دم سليمان فطير صهيون؟؟!!
يرفع يعقوب رأسه إلى السماء قائلاً:
"أيها الرب نحن شعبك المختار، ننفذ ما أوصيت لنا به. فملكنا هذه الأرض التي وعدتنا بها".

في نفس اللحظة التي يذبح بها سليمان تجف ينابيع الجولان، وتمتنع السماء عن المطر وتتبدل تربة الأرض فجأة كما لو أنها تحولت إلى قطعة من الجحيم فتصبح تربة سوداء، وحجارة سوداء، وينابيع بلا سواقٍ، وفي الوديان القريبة من سهل البطيحة توالدت الخنازير والقردة.

وعندما يصادف ذبح سليمان في كل عام تصرخ القناة التي تتفرع عن نهر الأردن بصوت عال ومن يومها أطلق عليها " قناة العفريتية".

m.a.mksor@mail.sy
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قربان عيد الكبور
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
محمد أحمد العبدالله :: الفئة الأولى :: البطيحة-
انتقل الى: