محمد أحمد العبدالله

محمد أحمد العبدالله

ثقافي - فكري
 
البوابةالرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 دموع من نار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد
Admin
avatar

عدد المساهمات : 97
تاريخ التسجيل : 29/07/2010
العمر : 37

مُساهمةموضوع: دموع من نار   الخميس يوليو 29, 2010 3:29 am










محمد أحمد العبد الله








كانت بشرتها شاحبة كبشرة الموتى، خطواتها تقع على أرض الرصيف المسفلتة
مرتجفة مترددة، بين الفينة والأخرى، تدير وجهها للوراء ثم تلتفت بنظراتها
يميناً وشمالاً. بدت قلقة العينين، كثيرة "اللّفتات" لو رآها أحد لارتاب في
أمرها وظنّ فيها الظنون. تصوّرت أن الناس جميعهم يأكلونها بنظراتهم
الفضولية، رغم أن الطريق كان خالياً من المارّة والسيارات، بل صامتاً تتخلل
صمته أصداء لسيارات يزدحم بها الشارع العام الذي يقع إلى لحف الجبل.بدأت
رجلاها تأخذانها بعيداً عن (الدور)، ربما تكون قد سلكت هذا الطريق مئات
المرات في ذهابها وإيابها من المخيم وإلى المدينة لكنها في هذه المرة تمشي
بطريقة مختلفة تماماً، بالنسبة لها على الأقل، سيرتها في المخيم تعد ضمن
الأمهات المثاليات في حسن تربيتها لأولادها الأيتام، إنها الآن كالهاربة،
بل هي هاربة بالفعل. - يا إلهي..! قالتها في تأوّه بعد أن توقفت فجأة، ربما
كانت تحاول مراجعة نفسها، لكن عقلها كان مشحوناً، غير قادر على تنظيم
تفكيره، تابعت خطواتها بين قسوة الحيرة، تسوقها أخيلة مفزعة. وأشباح من
الماضي.لقد اتخذت قرارها هذا لتقطع به دوامة الشك، لكن للحيرة دوامة أشد
فظاعة، تعيش تحت سطوة الحياة القاهرة، تستسلم لخطوطها المستقيمة بلا
انحناء، يصبرها طيلة السنوات حبها لأولادها، تنعم بصفاء حبهم الذي ازداد
قوة وإغراقاً بعد أن صارت لهم الأم والأب.هناك على ضفة بحيرة طبريا، جهة
المشرق، كنا نعيش ككل الناس، نسكن ونعمل ونسافر حيث نريد، هناك عاش الناس
أحراراً، لا وجوه غريبة باردة قاسية ولا أصوات حزينة، الغني يأكل، والفقير
يأكل.ويدور في خلدها أن تغني وتبدأ تصدح بصوتها الجميل وسط الزحام.. لم
هجر زوجها البيت؟ لا تدريّ.. هل هجره أو هُجّر عنه؟ أيضاً لا تدري! لكن
ذاكرتها المتقدة وروحها دائماً تلتقطان شظايا جدال عقيم بين زوجها وحلمه
بالرجوع ينتهي إلى بكاء سرعان ما يتحول إلى نحيب.. واستمرت لا تدري. أما
الآن إنها تكاد تحلل في ذهنها الكثير من الأمور. عندما غادر زوجها المخيم
لا تعرف إلى أين هوت على الأرض كطير فقد القدرة على التحليق فجأة، فسقط
مرتطماً بأرض صلبة، تمتمت:- لا..! لا يمكن..! زوجي لا يفعل ذلك.. لكن الشك
سرعان ما استأسد في رأسها وقررت في نفس اللحظة أن تقطع زوبعة الشك، وبقيت
تعمل طوال سنوات طويلة في البيوت (شغالة، خادمة، أو بمعنى أصح
لفاية)..تسارعت خطواتها، ثم ما لبثت أن جمدت! - ماذا لو تركت البيت ومضيت
كما فعل زوجي؟!وكيف سيكون موقفها مع ضميرها بعد أن تترك الأولاد؟!هل ستتمكن
من النظر في عيني أي شخص تقابله من أبناء المخيم مرة أخرى وهي تحمل بين
حدقتيها سهام الهروب..انطلق لسانها في عفوية كأنها تخاطب الدنيا كلها:- لا
بد من إيجاد حل، لن أعيش إلى الأبد هكذا، لن أحتمل مثاليات بلا روح. لامس
بلل الدموع غطاء الرأس الأسود الذي غطى رأسها المتوقد، شعرت باختناق
مشاعرها، ودّت لو تبلع لسانها، وتأخذ نفساً بارداً يطفئ نيران
الدموع.انسابت خطواتها، زاد دفق دموعها.. بدت مدينة دمشق بكل أبنيتها
الشامخة باهتة في عينيها.. تسلل إلى قلبها بصيص من الاطمئنان، وهي تترك
المدينة والأزقة والحواري خلف ظهرها، تتلاشى شيئاً فشيئاً، منظرٌ لم تعتد
عليه من قبل. أججّت دموعها حمم الهواجس، كادت شهقاتها تفلت منها تمتمت في
حنق:- أعوذ بالله من هذه الهواجس! -أين أنت ذاهبة يا امرأة أولادك ما زالوا
(زغاليل صغار)؟!وهمّت بالرجوع بغتةً، لكنها ترددت، قالت:- لا.. إلى هنا
يكفي فقد أجد ما لا ينبغي رؤيته. استندت إلى جذع شجرة تين يابسة وهي تلهث
أنفاسها، كانت متوترة قلقة، انفجرت شهقاتها المحبوسة لتفضح سر شقائها
المكبوت.تذكرت النسوة اللواتي في سنها، والدبكة، والجولان، شريطاً من
الذكريات المحمومة تدور في ذهنها في هذه اللحظة، امرأة بكامل أنوثتها، ملكة
الطوارئ، لكنها تختلف عن الملكة، نصفها الأسفل امرأة من الجولان تستدل
عليها من زركشة بنطالها الجولاني، المليء بغبار الأرض. ونصفها الأعلى ملكة
الطوارئ بكل عنفوانها وإصرارها على الحياة.نظرتْ خلفها في تبّرم وضيق..!
غاصت (نورة العوض) في استسلام بين أحضان شجر "السدرة" الذي تكاثر حول ضفة
نهر الأردن، لم تعد تدري ماذا تفعل، لكنها بالتأكيد سوف ترتمي في هذه
اللحظة بصمت وتهيب، تضاجع النهر الذي ما اقتربت منه منذ سنوات (لقطةُ من
العمر، يا نورة، النهر الخالد الراكد هنا يناديك يمد إليك ذراعيه، هيا
اقتربي)! و فجاءة أضحى بلا حصن، أسواره هدمت، أبوابه اقتلعت، وتداعت
أركانه، وتلاشت الحدود بينهما، لكن إلى أين يأخذها النهر؟ لا تدري، وشعرت
فقط عليها أن تغادر. سحبت رجليها المثقلتين خارجاً، أدارت وجهها لحظة للنهر
الذي ضمّ جسدها الممتلئ، أحسّت بدوار شديد عاندته بخطوات محمومة تتسارع
على غير هدى. ما زال الطريق هادئاً صامتاً، لكن عقل "نورة العوض" قد ازدحم
فلم يعرف الهدوء."كان مجرى الذكريات يتدفق حين انتزعني منه صوت (مجوز
راجي)، فأعادني إلى وقفتي عند مجرى النهر الذي ضاجعته لتوي. والتفت بفعل
المفاجأة فرأيته "هو بشحمه ولحمه" بجذعه الملتصق بجذع السدرة وهو يشرع
(مجوزه) ويصب فيه ذوب نفسه، ربما نسي (راجي) نفسه، أو لم يرني، أو لعله
أرسل أنغامه خصيصاً لأجلي."تأملت الرجل "شبحٌ من الماضي" كنت أتوقع أن
ينتبه لي وينظر ناحيتي، امرأة ورجل في هذا الخلاء الفسيح، وصرت أتحرق لألفت
نظره باتجاهي، لكنه بقي شبحاً منساحاً في الأفق.ووجدتني أسير على حافة
النهر، ماضية باتجاه التيار، مدفوعاً بقوة خفية لا أتبينها كان صوت المجوز
يحملني على مهاد خفيفة، وكان النهر هو الأخر يسير بهدى النغم ويمتد في
امتداده، ويتعرج مع تبدل إيقاعاته.كنا، النهر، وأنا وصوت المجوز معاً في
رفقة، ندنو سوية من المصب، وصار بإمكاني أن أشاهد الحجوم الضخمة للأشجار
التي غرسها في هذه المنطقة (الكنعانيون) والتي تكتنف جانبي المصب، وسدرة
المنتهى كانت أشجار هائلة الحجم متجمعة، متشابكة، على جانبي المصب، يعيرها
النهر راقداً بحنان لينام في أحضان بحيرة طبريا.كما تنام الشمس في مغربها
خلف تلال مدينة فيق والتي تبدو معالمها على الجانب الآخر كخيال بعيد يحف به
احتفال فني وهي تستجيب هادئة حالمة بنهار جديد لهذا التبدل، وتتلقى مطمئنة
وعود الشمس بالعودة في اليوم التالي، وتتحاور معها بلغة الألوان هذه،
والتلال، المكسوة بالخضرة، وهي تقف خاشعة في أبهة هذا الجلال.في المساء،
ترى ذلك المرج الفسيح مملوءاً بالفلاحين العائدين من حواكيرهم كالمعتاد،
تلتفت يمنة ويسرة، ترى الكثير من المشاهد المفرحة؛ مجموعة من الصبية الصغار
يركضون خلف بعض، يتضاحكون بصوت مرح، الأصوات الصاخبة ترتفع من الدور في
وسط لجة الليل ومن البيوت الطينية القديمة، قد ترفع ناظريك أحياناً مثلي
فتحملق في الوجوه التي اعتادت الجلوس على (مصاطب أمام المنازل)، عندها ترى
ملامح أعمل الزمن فيها فأسه، تتخيل أن ثرثرة الرجال ستصبح مخلوقاً خرافياً
بإمكانه القضاء عليك أينما كنت.رائحة القهوة تفوح لدرجة تظن معها أنها تطبخ
في أنفك، يأسرك تدفق الحياة في البطيحة. تقترب أكثر وأكثر من تربة الأرض
وتنظر بتمعن، "دخيل الله يالي خلاكي تربة سودا". كنتُ سعيداً جداً.. وكنتَ
تستطيع.. حين تنظر في عيني.. أن تسعد أنت أيضاً، كنا مثل فراشات يعشن في
وادي الدالية في مودة ومحبة وصفاء ونقاء يخرجن معاً للعمل في الصباح عند
أذان الندى بصوته الرخيم تعكس صداه زقزقة الطيور العاشقات نور السماء ويعدن
قافلات في المساء، وقد جمعن من الطعام ما يكفيهن وصغارهن والمرضى
والمقعدين، يصلين العشاء في مسجدهن فوق شجرة "الجميز"، ويقمن الليل في
مصلى هادئ وجميل أنشأته فراشة عجوز على قمة "زيتونة" لها من العمر مائة عام
أو يزيد.كانت "نورة العوض" تسير دون وعي تاركة "الزغاليل" والخيام وحتى
تلك الأبنية الشاهقة تنام في سبات عميقة، وهي تمضي تجر بين قدميها ضياع
السنين المظلمة، تبحث عن بصيص ضوء يعيد لها "أبو فلاح"، فالحلم كفر، والعمر
كفر، وأنت أين تمضين في هذا الغروب؟ تبحثين عن سراب !وكلما اقتربت نورة
بخطاها نحو الغرب، ازداد قلبها الموجوع خفقاناً، وانتعشت ذاكرتها التي
أتلفها الخْرف وباتت "نورة المجنونة" امرأة من نوعٍ آخر، لا تشبه ملكة
الطوارئ فحسب بل هي الملكة.تتزنر بربطة الرأس، وتعقد ثوبها لنصف بطنها
وتسرع بخطاها، ماضية، باتجاه الشريط الحدودي، الذي يفصل القنيطرة عن
القنيطرة، وخلف هذا السياج الصدئ المتعفن، ببضع خطوات، انفجر لغم دوت
أصداؤه حتى وصلت إلى الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية، حمل معه أشلاء
"نورة العوض" إلاّ أن روحها ما زالت تبحث عن "أبو فلاح"!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
wanni
شيخ الشباب
شيخ الشباب
avatar

عدد المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 05/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: دموع من نار   الثلاثاء يوليو 05, 2011 7:24 am



دموع من نار عنوان شدني بشكل لاإرادي لقراءة مضمون القصة
دموع من نار قصة غنية بالافكار والتعابير شبه المصورة
لست بناقد ولكن هنالك وجهة نظر لابد من ايضاحها
عند قراءتي القصة عجزت عن ضبظ أفكاري ولم أتمكن من تخيلها بسبب تشتت أفكار قصتك
هل تعلم أن كل فكرة من أفكار قصتك هي عبارة عن بوابة لقصة أخرى مستقلة بحد ذاتها
حاولت أن أشعر بأحاسيس نورا العوض (بطلة القصة) ولكنني لم أتمكن .. لنقص ما وإنشغالي بترتيب الأفكار المتناثرة
كتابة الكلمات ونثرها على الصفحات البيضاء لتشكل فكرة أو قصة أو أو أو هي عبارة عن مشاعر وأحاسيس فاضت في الوجدان
معذرة لست بناقد كلمات لكنني عاشقها .... خاصة عندما توصف جولاني الحبيب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
دموع من نار
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
محمد أحمد العبدالله :: الفئة الأولى :: قصص-
انتقل الى: